التفتازاني

22

كتاب المطول

( سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا * وتسكب ) اى تصب بالرفع وهو الرواية الصحيحة المبنى عليها كلام الشيخ في دلائل الاعجاز والنصب توهم ( عيناي الدموع لتجمدا ) جعل سكب الدموع وهو البكاء كناية عما يلزم فراق الأحبة من الكآبة والحزن وأصاب لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه يقال ابكانى واضحكنى اى ساءنى وسرني ابكانى الدهر ويا ربما * اضحكنى الدهر بما يرضى ولكنه أخطأ في الكناية عما يوجبه دوام التلاقى والوصال من الفرح والسرور بجمود العين ( فان الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع ) حال إرادة البكاء وهي حالة الحزن على مفارقة الأحبة ( لا إلى ما قصده ) الشاعر ( من السرور ) الحاصل بملاقاة الأصدقاء ومواصلة الأحبة ولهذا لا يصح ان يقال في الدعاء لا زالت عينك جامدة كما يقال لا ابكى اللّه عينك ويقال سنة جماد لا مطر فيها وناقة جماد لا لبن لها كأنهما تبخلان بالمطر واللبن قال الحماسى ألا ان عينا لم نجد يوم واسط * عليك بجارى دمعها لجمود * فان قيل استعمل الجمود في مطلق خلو العين من الدمع مجازا من باب استعمال المقيد في المطلق ثم كنى به عن المسرة لكونه لازما لها عادة * قلنا هذا انما يكفى لصحة الكلام واستقامته ولا يخرجه عن التعقيد المعنوي لظهور ان الذهن لا ينتقل إلى هذا بسهولة والكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما يكون الانتقال فيه من معناه الأول إلى الثاني ظاهرا حتى يخيل إلى السامع انه فهمه من حاق اللفظ واما الكلام الذي ليس له معنى ثان فهو بمنزلة الساقط عن درجة الاعتبار عند البلغاء كما ستعرفه في بحث بلاغة الكلام : ومعنى البيت ان عادة الزمان والاخوان الاتيان بنقيض المطلوب والجريان على عكس المقصود وانى إلى الآن كنت اطلب القرب والسرور فلم يحصل الا الحزن والفراق فبعد هذا اطلب البعد والفراق ليحصل القرب والوصال واطلب الحزن والكآبة ليحصل الفرح والسرور . وهذا ان نصبت تسكب بتقدير ان عطفا على بعد الدار . وان رفعته كما هو الصواب . فالمعنى ابكى واتحزن الآن ليحصل في المستقبل السرور والفرح بالقرب والوصال وحينئذ لا يدخل سكب الدموع تحت الطلب لكنه أكب عليه ولازمه ملازمة الامر المطلوب ليظن الدهر انه مطلوبه فيأتي بضده هذا هو المعنى المشهور فيما بين القوم ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف ومنشأه عدم التعمق في المعاني وقلة التصفح لكلام المهرة من السلف والصحيح انه أراد بطلب الفراق طيب